علي أحمدي ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )
128
سيد قطب
--> - العقلي ، والتحرّر الشعوري ، والتحرّر السياسي ، والتحرّر الاجتماعي ، والتحرّر الأخلاقي ، إلى آخر أشكال التحرّر وأوضاعه . وما يمكن أن يتحرّر ( الإنسان ) أصلًا إذا بقي عبداً للأسباب ( الحتمية ) وما وراءها من عبوديته لإرادة الناس أو عبوديته لإرادة ( الطبيعة ) ، فكلّ ( حتمية ) غير إرادة اللَّه وقدره هي قاعدة العبودية لغير اللَّه وقدره . والتصوّر الاعتقادي في الإسلام كلّ متكامل ، ثمّ هو بدوره كلّ متكامل مع الصورة الواقعية التي يريدها هذا الدين لحياة الناس . 2 - إنّ النتائج التاريخية لا تأتي بالتمنّي ، ولكن بالجهد والجهاد وبالمعاناة في عالم الواقع وفي ميدان القتال . وإنّ النصر ليس بالعدد ولا بالعُدّة وحدهما ، ولكنّه بمقدار الاتّصال باللَّه والاستمداد من قوّته . وإنّه ليس كلّ ما يريده الناس خيراً لأنفسهم ، فهناك من وراء رؤية الإنسان المحدودة رؤية شاملة مطلقة قد تختار لهم ما لا يشتهون ، ولكنّها تسوقهم إلى المصائر التي يتمنّون : ( فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) [ سورة النساء 4 : 19 ] . لقد أراد اللَّه لمعركة بدر أن تكون مَلحَمَة لا غنيمة كما تمنّى المسلمون قبل وقوعها ، وأن تكون موقعة بين الحقّ والباطل ؛ ليحقّ الحقّ ويثبته ، ويُبطل الباطل ويزهقه ، وأراد أن يقطع دابِرَ الكافرين ، ويمكّن للعصبة المسلمة التي تعيش بمنهج اللَّه ، وتنطلق به لتقرير أُلوهية اللَّه في الأرض وتحطيم طاغوت الطواغيت ، وأراد أن يكون هذا التمكين عن استحقاق لا عن جُزاف ، وبالجهد والجهاد ، وبتكاليف الجهاد ومُعاناته في عالم الواقع وفي ميدان القتال . نعم ، لقد أراد اللَّه للعصبة المسلمة أن تصبح أُمّة ، وأن تصبح دولة ، وأن يصبح لها قوّة وسلطان . وأراد لها أن تقيس قوّتها الحقيقية إلى قوّة أعدائها ، فترجح ببعض قوّتها على قوّة أعدائها ! وأن تعلم أنّ النصر ليس بالعدد ، وليس بالعُدّة ، وليس بالمال والخيل والزاد ، إنّما هو بمقدار اتّصال القلوب بقوّة اللَّه التي لا تقف لها قوّة العباد ، وأن يكون هذا كلّه عن تجربة واقعية ، لا عن مجرّد تصوّر واعتقاد قلبي . فأين ما أرادته العصبة المسلمة لنفسها ممّا أراده اللَّه لها ؟ ! لقد كانت تمضي - لو كانت لهم قافلة أبي سفيان - قصّة غنيمة وقصّة قوم أغاروا على قافلة فغنموها . فأمّا بدر فقد مضت في التاريخ كلّه قصّة عقيدة ، قصّة نصر حاسم وفُرقان بين الحقّ والباطل ، قصّة انتصار الحقّ على -